طالبوا برد الشبهات بطرق علمية دون ضعف أو انفعال

علماء: معالجة التشدد الديني يحتاج جرأة والمسجد أول وسيلة لمواجهة الغلو والتطرف

أكد مشاركون في الجلسة الخامسة بمؤتمر مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثالثة والعشرين والمخصصة لبحث الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة التطرف والإرهاب، اليوم الثلاثاء (21 صفر 1440هـ) على أهمية دور المسجد في حياة المسلمين وأنه أول وسيلة لمواجهة الغلو والتطرف. مشيرين إلى أن العلماء هم القدوة ولهم أثر كبير في توجيه الشباب وحمايتهم من الأفكار المنحرفة.

ودعا مشاركون في المؤتمر الذي ينظمه المجمع بالتعاون مع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة خلال المدة من 19-23 صفر الحالي في مركز الملك سلمان الدولي للمؤتمرات برعاية خادم الحرمين الشريفين، إلى العمل على تعديل بعض محتويات المناهج التعليمية التي تغذي النظرة الأحادية في النص الشرعي، وتعلي من شأن الفكر الترجيحي المبالغ فيه بين المذاهب.

مواجهة التشدد يحتاج إلى جرأة

في بداية الجلسة دعا أمين مجمع الفقه الإسلامي الدولي الدكتور عبدالسلام داود العبادي العاملين في مجالي الدعوة والإعلام إلى العمل على بيان سماحة الإسلام، وأنه جاء لخير الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. مؤكدًا على ضرورة تطوير مناهج إعداد الدعاة بهدف التأكد من إدراكهم لروح الإسلام، ومنهجه في بناء الحياة الإنسانية، بالإضافة إلى اطلاعهم على الثقافة المعاصرة، بحيث يكون تعاملهم مع المجتمعات المعاصرة، ومخاطبتهم لها عن وعي وبصيرة.

وقال الدكتور العبادي إن العمل على تنقية الشخصية الإسلامية المعاصرة من كل مظاهر الانغلاق والتزمت والتشديد على الناس بدون دليل شرعي من الأمور التي تحتاج إلى جرأة في النصح والمعالجة، وعدم الخوف من أي اتهامات قد يتقولها المتشددون في قضايا الحياة المتعددة، وبخاصة في مجال السلوك وفي قضايا الأسرة والمجتمع.

وشدد على أهمية إعداد دراسات عميقة مشوقة لظاهرة الغلو والتطرف وما يسمى بالإرهاب في هذه الأيام من جميع الجوانب لتكشف الحقائق والمنطلقات والأسباب بموضوعية. لافتًا إلى الاهتمام بدراسة الأفكار الوافدة، والمبادئ المستوردة، والتعريف بمظاهر قصورها ونقصها، ومناقشتها بأمانة وموضوعية، بحيث تكون المعرفة بهذا الخصوص متاحة لجميع المثقفين، وبخاصة الذين لم تتح لهم فرصة الاطلاع على المعرفة الإسلامية الصحيحة. مشيرًا إلى ضرورة رد الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام بطريقة علمية سليمة دون ضعف أو انفعال، وعلى أساس من الثقة الكاملة بكمال دين الله سبحانه، وبما يتفق مع المستويات العلمية المتعددة للمخاطبين.

تعديل المناهج التعليمية

من جانبه أوصى وزير دولة للشؤون الدبلوماسيَّة برئاسة جمهورية غينيا الأستاذ الزائر لأصول الفقه والمقاصد والماليَّة الإسلاميَّة المعاصرة بالجامعة الإسلاميَّة العالميَّة بماليزيا الدكـتور قطب مصطفى سانو بالعمل على تعديل كثير من محتويات المناهج التعليميّة التي تغذي النظرة الأحادية في النص الإلهي، وتعلي من شأن الفكر الترجيحي المبالغ فيه بين المذاهب.

وقال خلال مشاركته في المؤتمر بورقة بعنوان: “في مواجهة فكريَّة لمنطلقات الفكر المتطرِّف، مرتكزات وآفاق”، إنَّه ينبغي الحد من تنمية متزايدة لعقلية الاعتداد المفرط بامتلاك بعض المذاهب الاجتهاديّة ناصية الحقِّ المطلق والبرهان القاطع فيما اختلف فيه العالِمون من المسائل العقديّة، والمسائل الفقهيَّة، والمسائل التربويَّة، كما ينبغي الحد من تركيز المؤسسات التربوية والتعليمية على تنشئة عقلية التفرغ للحكم الصارم على سائر الاجتهادات المخالفة لاجتهادات مذهب من المذاهب بالبطلان والضلال والانحراف الذي يجب محاربته ومقاومته بشتى الوسائل.

الخروج جريمة تحل العقوبة

في حين أكد وكيل الأزهر الشريف الدكتور عباس عبد اللاه شومان على أنه يثبت لأنظمة الحكم المعمول بها في الزمن الحاضر على اختلاف مسمياتها (رئاسية، ملكية، سلطانية، أميرية) ما يثبت للخليفة في نظام الحكم الإسلامي. مشددًا على أن الخروج على أنظمة الحكم المستقرة جريمة تحل عقوبة فاعليها.

وقال الدكتور شومان خلال مشاركته في الجلسة ببحث بعنوان: (الخروج على الحاكم في ميزان الشريعة الإسلامية)، أن الخارجين على الحكام هم بغاه إذا كانوا جماعة لها شوكة ومنعة، أما إذا لم يستند الخروج إلى تأويل أو لم يكن للخارجين شوكة ومنعة فهم قطاع طريق. مشيرًا إلى أنه لا يجوز الخروج على الحاكم الظالم أو الفاسق ويختص الحكم بالخروج بما إذا ظهر من الحاكم ما يدل على الكفر.

التأويلات جاوزت العقل والشرع

فيما قال وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لشؤون المعاهد العلمية الأســتــاذ فــي الـمــعهد العالي للقضاء الدكـتور إبراهيم محمد قاسم الميمن إن أقرب تكييف لأعمال الإرهابيين بأنها من أعمال الخوارج، الذين يرتكبون هذه العظائم بناء على فكر الخوارج واعتقاد التكفير.

وأوضح الدكتور الميمن خلال مشاركته في الدورة الثالثة والعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بعنوان:( أثر البغي والحرابة على إسلام الباغي والمحارب)، أن المطلع على المبررات من وجهة نظر الإرهابي يجد أنها تأويلات وشبهات باطلة مزيفة، ترى بتكفير المجتمعات والولاة، ومن ثَم الخروج عليهم ومقاتلتهم، والفساد والإفساد في أعقابهم، وهذا يشبه الخوارج. مشيرًا إلى أنهم يفترقون عنهم في أن تبريراتهم جاوزت حدود العقل والشرع، حتى وصلت الجرأة بهم إلى قتل الآباء والأمهات، وينتهكون الأعراض، ويرومون الفساد لا الإصلاح، ويجاوزون فيها الحرمات، ويتعدون الحدود، ويتجرؤون على الأشهر المباركة، والحرمات الآمنة، والمقدسات الشريفة.

وزاد: تكفير الفعل الواقع من المحاربين والخوارج ويقاس عليهم الإرهابيين، بناء على أدلة ونصوص تدل على ذلك من جهة استحلال الدماء، أو اجتهادًا في فهم قوله صلى الله عليه وسلم: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، ولكن يتوقف في تكفير أعيانهم، ومرد ذلك إلى الولاة والقضاة بعد ثبوت الحكم عليهم، وبناء على ما يرونه من مبررات.

الجماعات الإسلامية المعتدلة

من جانب آخر دعا عميد كلية الشريعة السابق بالجامعة الأردنية الدكتور محمد خازر المجالي إلى التعاون مع الجماعات الإسلامية المعتدلة التي لها انتشار في الدول بدلاً من استعدائها وذلك من أجل لمّ شمل الأمّة بدلاً من أن تخسر الدول جهود هذه الجماعات. مشيرًا إلى أن لكلّ جماعة إيجابيّات وسلبيّات، فيجب التركيز على الإيجابيّات لأنّ ذلك سيوجد جوًا من الحرية الذي يحفظ أمن الدول من النزعات الفرديّة الناتجة عن الإقصاء والتضييق.

وأوصى الدكتور المجالي في بحثه الذي قدمه في الدورة الثالثة والعشرين لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بعوان:(مكافحة التطرف من جانب ديني) بدعم المؤسسات الدينية المتمثّلة بوزارات الأوقاف والكليات الشرعية وغيرها، من أجل أن تصل رتبتها إلى رتبة تستحق الاحترام والتقدير لكي يتم تصدير علماء ودعاة على مستوى عالٍ من العلم الشرعي والثقافة العامة، وهذا كله سيؤدي إلى نشر خطاب معتدل بين الناس خاصة في المساجد.

ضعف الخطباء

ويرى الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية الدكـتور جعفر عبدالسلام أن ضعف خطيب المسجد أفسح المجال لجماعات متطرفة تسللت إلى كثير من المساجد وأخذت تمارس ضغوطها على الشباب والأطفال، وتملأ عقولهم بما ليس من الدين في شيء. مضيفًا أن هذا الفكر هو في نفس الوقت يكفر الحكام والمجتمع ورموزه، بل ومنهم من يوجب قتاله، إلى جانب ابتعادهم عن التعليم في المدارس والجامعات لأنها تقوم بتعليم العلوم الغربية.

ودعا الدكتور عبدالسلام في بحث بعنوان:(دور المسجد وقيمة العدالة في تحقيق الأمن المجتمعي في الإسلام وترسيخ السلام العالمي في مواجهة الفكر المتطرف)، إلى الاهتمام بالمسجد لكونه يُكون الإنسانَ المتدين الملتزم الذي يعرف الله ويتقه ويراقبه في كل أقواله وأحواله، وتؤدي العبادة كذلك إلى الأمن المجتمعي؛ لأن المجتمع يتكون من مجموعة من الأفراد، فبقدر صلاحهم يكون صلاحه، وبقدر تقدمهم وحرصهم على سلامة دينهم وأطفالهم، يكون سلامة وأمن المجتمع. مؤكدًا على أن قوى الخير في المجتمع المدني إذا اتخذت من المساجد ملاذًا لها، فإنها ستحقق السلامة والأمن للمجتمع، فضلاً عن أنها سوف تؤدي إلى وجود العدالة بكل أنواعها في المجتمع.

الظلم الدولي وعدم الإنصاف

من جانبه قال الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء الدكتور محمد بن يحيى النجيمي إن الظلم الدولي الذي يتعرض له المسلمون وعدم الإنصاف في معالجة قضاياهم وتركها عالقة من قبل الدول الغربية من أبرز الأسباب الدولية لظاهرة التطرف. مضيفًا بأن التطرف والتعصب المذهبي موجود لدى طوائف كثيرة في الأمة ولابد من المواجهة والمصارحة، وهذا من أسباب القضاء على التطرف الفكري.

وأفاد الدكتور النجيمي خلال مشاركته في الدورة الثالثة والعشرين لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي ببحث بعنوان:(الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة التطرف وما يسمى بالإرهاب في هذه الأيام في شتى الميادين والمجالات)، إن للمسجد دورًا هامًا في حياة المسلمين، وهو أول وسيلة لمواجهة الغلو والتطرف. مشيرًا إلى أن العلماء هم القدوة ولهم أثر كبير في توجيه الشباب وحمايتهم من الغلو والتطرف.

الاتجاهات الفكرية المنحرفة

وشدد عضو هيئة التدريس في جامعة العلوم الإسلامية العالمية الأردنية الدكتور هاني سليمان الطعيمات على أهمية النهوض بالخطاب الديني في المساجد مضمونًا وأسلوبًا، وذلك بربطه بأحداث المجتمع وبالواقع المعاش، وباقتراح موضوعات لخطبة الجمعة ووضع محاور لها. مؤكداً على النهوض بوظيفة الإمام والمؤذن في المسجد من خلال رفع المستوى المعيشي والوظيفي لهما.

وقال الدكتور الطعيمات في بحث قدمه بالدورة الثالثة والعشرين لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي بعنوان:(الإجراءات العملية للمؤسسات الدينية والتربوية والتعليمية في مواجهة ظاهرة الغلو والإرهاب)، إنه يتحتم على دوائر الإفتاء العام اتخاذ عدد من الإجراءات العملية مثل: حسن اختيار المفتين الأكفاء، وانشاء مجلس للفتوى، والتنسيق مع المؤسسات الإعلامية في الدولة لتحديد مرجعيات ذات خبرة عملية وكفاءة علمية للإشراف على البرامج الدينية في الإذاعات والفضائيات والمواقع الإلكترونية.

وذكر بأن على المؤسسات التعليمية تحديث وتطوير مناهج التعليم في المدارس باتجاه فتح مضامينها على ثقافة حقوق الإنسان، ونبذ العنف والتطرف والإرهاب، والاعتراف بالحق في التنوع والاختلاف، وتصميمها بطريقة تركز على فلسفة التعلم الذاتي والنقاش والحوار لتغيير دور الطالب من متلقي سلبي إلى مشارك فعال وباحث عن المعرفة وناقد له، وحسن اختيار العاملين في المؤسسات التعليمية وتأهيلهم واستبعاد أصحاب الاتجاهات الفكرية المنحرفة من صفوف الميدان التربوي، ونقلهم إلى وظائف غير تعليمية.

التطرف والإرهاب مختلفان

وفي ختام الجلسة أكدت عميد البحث العلمي بجامعة العلوم الإسلامية العالمية بالأردن الدكتور هناء محمد هلال الحنيطي على أن مفهوم التطرف يختلف عن مفهوم الإرهاب. موضحة بأن التطرف هو مجموعة من المعتقدات والأفكار التي تتجاوز المتفق عليه سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا فهو دائمًا يكون مرتبطًا بما هو فكري بالأساس، فيما يرتبط الإرهاب بالفعل.

وقالت في بحث بعنوان: (الإجراءات الفكرية والعملية كوسيلة للقضاء على التطرف والإرهاب)، إن الجماعات المتطرفة والإرهابية تسعى إلى تشويه صورة الإسلام الحقيقية، فهي تتميز بطابعها القُطري، وبأنها عابرة للحدود، ولديهم قناعة خاصة أن المجتمعات التي يعيشون فيها مجتمعات كافرة وحكامهم كافرون فلديهم القدرة على التغلغل في وسط الناس وبث سمومهم وأكثر تركيزهم على فئة الشباب.

وذكرت بأن هناك عدة أسباب تعتري ظاهرة التطرف والإرهاب منها أسباب مباشرة (سياسية، اقتصادية، اجتماعية) وأسباب غير مباشرة (جهل بالدين، الفراغ الفكري، الإحباط والعزلة عن الآخرين، أسباب إعلامية، الجهل بفقه الاختلاف). ودعت إلى العناية بالشباب وذلك من خلال تعزيز السلوك الإيجابي في نفوس الشباب ومحاربة الأخلاق والسلوك السيء، وتوجيه الشباب للزوم المنهج الحق، والاستقامة على شرع الله وأمره.

وأوضحت أن العلاج الشمولي للتطرف والإرهاب يجب أن يكون قطعيًا وشاملاً، لذلك يمكن أن يكون هناك حلول فكرية وعملية لمواجهة التطرف والإرهاب وذلك من خلال مرحلتين رئيستين: مرحلة الوقاية والتحصين الاجتماعي، ومرحلة المعالجة والتغيير. مشيرة إلى أن مواجهة التطرف والإرهاب ليست مسؤولية الدولة وحدها بل يجب العمل على إشراك القطاع الخاص وأصحاب الأموال والمحسنين مع الدولة في مواجهة التطرف والإرهاب، وذلك من خلال التركيز على المناطق النائية وتأمين العمل للعاطلين وتحسين وضعهم المعيشي.